إذا أردت أن ترى الصين التي ستظهر بعد عشرين أو ثلاثين عامًا، فلا تذهب فقط إلى مصانع السيارات الكهربائية، ولا إلى مختبرات الذكاء الاصطناعي، ولا إلى ناطحات السحاب في شنغهاي. اذهب إلى جامعة فودان.
هناك، بين آلاف الطلاب والباحثين والمختبرات، يمكن أن ترى شيئًا لا يظهر بسهولة في الأخبار اليومية: الصين وهي تحاول أن تصنع الجيل الذي سيقودها في المرحلة القادمة.
فودان ليست مجرد جامعة صينية عريقة تحتل موقعًا متقدمًا في التصنيفات العالمية. إنها واحدة من المؤسسات التي يمكن من خلالها قراءة التحول الصيني نفسه؛ من بلد كان ينظر إلى الجامعات الغربية باعتبارها نموذجًا ينبغي اللحاق به، إلى دولة تريد أن تمتلك جامعات قادرة على إنتاج المعرفة والمنافسة على حدود العلم والتكنولوجيا.
والأكثر إثارة أن قصة فودان بدأت قبل أكثر من قرن.
من مدرسة في شنغهاي إلى جامعة عالمية
في عام 1905، كانت الصين تعيش مرحلة مختلفة تمامًا عن الصين التي نعرفها اليوم. الإمبراطورية ما زالت قائمة، والبلاد تواجه ضغوطًا خارجية عميقة، والنقاش حول مستقبل الصين كان يدور حول سؤال أساسي: كيف يمكن لدولة متأخرة علميًا واقتصاديًا أن تستعيد قوتها؟
في تلك البيئة تأسست فودان في شنغهاي باسم مدرسة فودان العامة.
وبعد أكثر من 120 عامًا، أصبحت الجامعة واحدة من أهم مؤسسات التعليم والبحث العلمي في الصين. وفي تصنيف Times Higher Education لعام 2026 احتلت فودان المرتبة 36 عالميًا، بينما جاءت في المرتبة 26 عالميًا في تصنيف QS لعام 2027.
لكن الأرقام، رغم أهميتها، لا تحكي القصة كاملة.
لأن السؤال الأكثر إثارة هو: كيف أصبحت جامعة تأسست في الصين قبل أكثر من قرن جزءًا من القوة العلمية لدولة تنافس الولايات المتحدة؟
الجامعة التي اختارت شنغهاي مكانًا لها
ربما لو كانت فودان في مدينة أخرى لكانت قصتها مختلفة.
لكنها موجودة في شنغهاي.
وهذا ليس تفصيلًا جغرافيًا.
شنغهاي هي المدينة التي يمكن أن ترى فيها الصين القديمة والحديثة في الشارع نفسه؛ ناطحات السحاب والأسواق المالية، الموانئ والشركات العالمية، التكنولوجيا والمصانع، الجامعات والمختبرات.
إنها واحدة من أهم المراكز المالية والتجارية في العالم، ولهذا فإن فودان تعيش وسط بيئة اقتصادية استثنائية.
الطالب الذي يدرس الاقتصاد في فودان لا يعيش بعيدًا عن البنوك والأسواق والشركات العالمية. والباحث في التكنولوجيا لا يعمل في جزيرة منفصلة عن الصناعة. والطبيب لا يبتعد عن منظومة ضخمة من المستشفيات والمؤسسات الطبية.
وهذه إحدى نقاط قوة الجامعة: المدينة نفسها أصبحت جزءًا من التجربة التعليمية.
فودان ليست جامعة للمهندسين فقط
قد نتوقع أن تكون إحدى أهم جامعات الصين الحديثة مهووسة بالهندسة والذكاء الاصطناعي والروبوتات فقط.
لكن فودان أكثر تعقيدًا من ذلك.
الجامعة تجمع بين الطب والعلوم والهندسة والاقتصاد والقانون والعلاقات الدولية والإدارة والصحافة والفلسفة والتاريخ والعلوم الاجتماعية وغيرها من المجالات.
وهذه النقطة مهمة جدًا لفهم فلسفة الجامعة.
الصين التي تريد أن تصبح قوة عالمية لا تحتاج فقط إلى شخص يستطيع تصميم شريحة إلكترونية. إنها تحتاج أيضًا إلى اقتصادي يفهم الأسواق، وطبيب يقود البحث الطبي، وقانوني يفهم التجارة الدولية، ودبلوماسي يفهم العلاقات الدولية، وباحث في العلوم الاجتماعية يستطيع قراءة التحولات التي تحدث داخل المجتمع الصيني.
ولهذا تبدو فودان أشبه بـ مدينة معرفية صغيرة أكثر من كونها كلية ضخمة.
وتضم الجامعة اليوم 41 كلية وقسمًا، و87 تخصصًا جامعيًا، إضافة إلى منظومة واسعة من برامج الدراسات العليا والبحث العلمي. كما ترتبط بـ 17 مستشفى تابعًا، وهو ما يعطيها حضورًا قويًا في المجال الطبي.
لكن شيئًا جديدًا يحدث الآن
هنا تصبح قصة فودان أكثر إثارة.
في عام 2025 أعلنت الجامعة عن إنشاء ست كليات هندسية جديدة، من بينها كلية للدوائر المتكاملة والإلكترونيات الدقيقة، وأخرى لعلوم الحاسوب والذكاء الاصطناعي، وأخرى للهندسة الطبية الحيوية، إضافة إلى الروبوتات والتصنيع المتقدم، والمواد الذكية والطاقة المستقبلية، وتكنولوجيا المعلومات المستقبلية.
توقف قليلًا عند أسماء هذه الكليات.
أشباه الموصلات. الذكاء الاصطناعي. الروبوتات. الطاقة المستقبلية. المواد الذكية.
هذه ليست قائمة عشوائية من التخصصات الأكاديمية.
إنها تقريبًا قائمة بأهم ميادين المنافسة التكنولوجية في العالم اليوم.
وهنا يمكن أن نقرأ شيئًا أكبر من مجرد توسع أكاديمي. الجامعات الصينية تعيد ترتيب أولوياتها لتواكب المجالات التي ستحدد الاقتصاد العالمي خلال العقود المقبلة.
الصراع على التكنولوجيا لم يعد يحدث فقط في مصانع الشركات. لقد انتقل إلى المختبرات وقاعات المحاضرات.
من المختبر إلى السوق
وهذه إحدى أكثر النقاط التي تثير اهتمامي في التجربة الصينية.
في كثير من الأحيان نتحدث عن الابتكار وكأنه يولد في مكان واحد: مختبر، ثم ينتقل إلى شركة.
لكن الصين تحاول بناء منظومة يكون فيها الجامعة والمختبر والشركة والدولة أجزاء من سلسلة واحدة.
وفودان مثال واضح على ذلك.
وجودها في شنغهاي، بالقرب من الشركات ومراكز التكنولوجيا والمؤسسات المالية والمستشفيات، يوفر بيئة تجعل انتقال الأفكار من الجامعة إلى الاقتصاد أكثر سهولة.
فإذا اكتشف باحث تقنية جديدة، فهناك منظومة صناعية ومالية ضخمة حوله يمكن أن تساعد في تطويرها وتحويلها إلى منتج.
وهذا بالضبط ما تحتاج إليه الصين إذا كانت تريد أن تتحول من دولة تصنع منتجات العالم إلى دولة تصنع التكنولوجيا التي سيستخدمها العالم.
الأرقام التي تكشف حجم اللعبة
وراء هذه الصورة توجد منظومة بحثية ضخمة.
تمتلك فودان 12 مختبرًا وطنيًا رئيسيًا، إضافة إلى أربعة مراكز وطنية للطب وعدد كبير من المراكز البحثية المدعومة من الحكومة ومدينة شنغهاي.
وتشير بيانات الجامعة إلى أن 19 تخصصًا فيها تقع ضمن أعلى 1% عالميًا وفق مؤشر ESI، ومن بينها الكيمياء وعلوم المواد والطب السريري وعلم الأدوية والسموم.
هذه الأرقام مهمة لأنها تقول شيئًا مختلفًا عن مجرد «جامعة جيدة».
إنها تعني أن فودان أصبحت جزءًا من البنية العالمية لإنتاج المعرفة.
والجامعة ليست مغلقة على الصين
رغم المنافسة الجيوسياسية المتزايدة بين الصين والغرب، تحافظ فودان على شبكة دولية واسعة.
وفق بيانات الجامعة، لديها شراكات مع 427 جامعة ومؤسسة في 59 دولة ومنطقة، ويشارك آلاف الطلاب وأعضاء هيئة التدريس في أنشطة أكاديمية وبحثية دولية كل عام.
وهذا مثير للاهتمام.
فالصين تريد في الوقت نفسه أن تصبح أكثر استقلالًا تكنولوجيًا، لكنها تعرف أن العلم لا يعيش داخل الحدود.
أفضل العلماء يحتاجون إلى التعاون، وأفضل الأبحاث تحتاج إلى شبكات دولية، وأفضل الجامعات تحتاج إلى جذب العقول من الخارج.
وهنا تواجه فودان معادلة دقيقة: كيف تصبح الجامعة أكثر استقلالًا من الناحية العلمية، من دون أن تصبح أقل ارتباطًا بالعالم؟
فودان ليست مجرد جامعة
ربما لهذا السبب أعتقد أن النظر إلى فودان باعتبارها «جامعة صينية من أفضل الجامعات» يقلل من أهميتها.
فودان تعكس شيئًا أكبر.
إنها تعكس الصين نفسها.
جامعة بدأت في عصر كانت فيه الصين تبحث عن طريق للخروج من أزمتها، ثم عاشت مراحل الجمهورية والحرب والثورة والإصلاح والانفتاح، واليوم تجد نفسها في قلب دولة تنافس القوى الكبرى على التكنولوجيا والاقتصاد والنفوذ العالمي.
تغيرت الصين كثيرًا خلال هذه الرحلة، وتغيرت فودان معها.
لكن هناك شيء واحد لم يتغير: الإيمان بأن المعرفة قوة.
وربما لهذا السبب، إذا أردنا أن نفهم الصين القادمة، فعلينا أن ننظر إلى جامعاتها بقدر ما ننظر إلى مصانعها.
لأن المصنع يخبرك ماذا تستطيع الصين أن تنتج اليوم.
أما الجامعة فتخبرك ماذا تريد الصين أن تكون قادرة على إنتاجه غدًا.
وفي حالة فودان، يبدو أن الإجابة واضحة جدًا:
الصين لا تريد فقط أن تتعلم من العالم.
إنها تريد أن تصبح واحدة من الأماكن التي يتعلم منها العالم.

