كيف تحولت «الاعتمادية التكنولوجية» إلى قضية أمن قومي واستراتيجية تنموية؟


في عام 2018، بدأ العالم يلاحظ تحولًا مهمًا في الطريقة التي تتحدث بها الصين عن مستقبلها الاقتصادي والتكنولوجي. فبعد عقود ركزت خلالها بكين على النمو الاقتصادي، وجذب الاستثمارات الأجنبية، وتوسيع الصادرات، بدأ مفهوم آخر يحتل موقعًا متقدمًا في الخطاب الرسمي: الاعتماد على الذات في العلوم والتكنولوجيا.

لم يكن ذلك يعني أن الصين قررت الانسحاب من الاقتصاد العالمي، بل أن القيادة الصينية بدأت تنظر إلى مسألة مختلفة وأكثر عمقًا: ماذا يحدث إذا أصبحت التقنيات التي يقوم عليها الاقتصاد الحديث خاضعة لقرارات دول أخرى؟

من هنا بدأت التكنولوجيا تتحول تدريجيًا من ملف اقتصادي إلى قضية تتقاطع فيها الصناعة مع الأمن القومي والسياسة الخارجية والقدرة التنافسية الدولية.

وخلال السنوات التالية، ضاعفت الصين جهودها في قطاعات مثل أشباه الموصلات، والذكاء الاصطناعي، والحوسبة الكمية، والفضاء، والطيران، والروبوتات، والتكنولوجيا الحيوية.

لكن لفهم هذا التحول، لا يكفي القول إن الصين تريد أن تصبح «مستقلة تكنولوجيًا». السؤال الأهم هو: لماذا أصبحت السيطرة على التكنولوجيا الأساسية مسألة استراتيجية بالنسبة لبكين؟


من «مصنع العالم» إلى محاولة امتلاك التكنولوجيا

عندما بدأت الصين إصلاحاتها الاقتصادية في أواخر السبعينيات، كانت أولوياتها مختلفة تمامًا.

كان المطلوب هو بناء قاعدة صناعية قادرة على الإنتاج بكفاءة، واستقطاب رأس المال والخبرات الأجنبية، والاستفادة من سلاسل التوريد العالمية. ومع انضمام الصين إلى منظمة التجارة العالمية عام 2001، تسارع اندماجها في الاقتصاد الدولي، وأصبحت خلال فترة قصيرة مركزًا رئيسيًا للتصنيع العالمي.

كان النموذج ناجحًا إلى حد بعيد. فقد استفادت الصين من السوق العالمية ومن الاستثمارات الأجنبية ونقل المعرفة، وطورت قدراتها الصناعية تدريجيًا حتى أصبحت واحدة من أهم القوى التصنيعية في العالم.

لكن هذا النجاح كشف في الوقت نفسه عن مشكلة استراتيجية.

فامتلاك القدرة على تصنيع المنتج لا يعني بالضرورة امتلاك التكنولوجيا التي تجعل إنتاجه ممكنًا.

يمكن لدولة أن تنتج ملايين الهواتف والسيارات والأجهزة الإلكترونية، لكنها قد تظل تعتمد على الخارج في الرقائق المتقدمة، أو معدات التصنيع، أو البرمجيات، أو بعض المواد والمكونات الأكثر حساسية.

ومع انتقال الاقتصاد العالمي من عصر التصنيع منخفض التكلفة إلى عصر تقوده البيانات والذكاء الاصطناعي والرقائق والحوسبة المتقدمة، أصبحت التكنولوجيا الأساسية نفسها مصدرًا للقوة الاقتصادية.

وهنا بدأت الصين تتحرك من نموذج يقوم على الاستفادة من التكنولوجيا العالمية إلى نموذج يركز بصورة أكبر على امتلاك التكنولوجيا وتطويرها داخل البلاد.


2018: عندما تحولت التكنولوجيا إلى مسألة أمن قومي

كانت الصين تتحدث عن الابتكار والاعتماد على الذات قبل عام 2018، لكن الحرب التجارية والتكنولوجية مع الولايات المتحدة جعلت هذه القضية أكثر إلحاحًا.

فمع تصاعد التوتر بين واشنطن وبكين، بدأت الولايات المتحدة في فرض مجموعة متزايدة من القيود على وصول بعض الشركات والمؤسسات الصينية إلى تقنيات متقدمة، ثم توسعت الإجراءات لتشمل قطاعات مرتبطة بأشباه الموصلات ومعدات تصنيعها والذكاء الاصطناعي والحوسبة المتقدمة.

وكانت قضية Huawei واحدة من أكثر الأمثلة وضوحًا على حجم المخاطر التي يمكن أن تنتج عن الاعتماد على التكنولوجيا الأجنبية.

بالنسبة للصين، لم تعد المسألة مجرد خلاف تجاري بين دولتين. لقد قدمت هذه التطورات درسًا استراتيجيًا أكثر أهمية:

إذا كانت دولة ما تعتمد على الخارج في التكنولوجيا التي تحتاج إليها قطاعاتها الحيوية، فإن قدرتها على اتخاذ قرارات مستقلة قد تصبح مرتبطة بإرادة الموردين أو الحكومات الأجنبية.

وهذا هو جوهر التحول في التفكير الصيني.


«الاعتماد على الذات» لا يعني الانعزال

من السهل إساءة فهم المصطلح الصيني «الاعتماد على الذات» باعتباره مشروعًا للاكتفاء الذاتي الكامل.

لكن الواقع أكثر تعقيدًا.

الصين لا تزال جزءًا أساسيًا من الاقتصاد العالمي، وتحتاج إلى الأسواق الخارجية، والاستثمارات، والموارد، والتجارة، والتعاون العلمي الدولي. كما أن الشركات الصينية نفسها تعمل داخل سلاسل توريد عالمية مترابطة.

لذلك، فإن الهدف ليس بالضرورة إنتاج كل شيء داخل الصين، وإنما تقليل نقاط الضعف في المجالات التي تعتبرها بكين استراتيجية.

الفرق مهم.

إذا كان من الممكن استيراد سلعة عادية من عدة دول دون أن يشكل ذلك خطرًا كبيرًا، فإن الاعتماد على مصدر خارجي في تقنية حيوية يمكن أن تتوقف عليها صناعة بأكملها يمثل مشكلة مختلفة تمامًا.

ولهذا تحاول الصين بناء قدرات محلية في المجالات التي يمكن أن يؤدي فقدان الوصول إليها إلى تعطيل قطاعات واسعة من اقتصادها.

وهنا تظهر أشباه الموصلات في مقدمة الأولويات.


لماذا أصبحت الرقائق الإلكترونية قضية استراتيجية؟

يصعب تصور الاقتصاد الحديث من دون أشباه الموصلات.

الهاتف الذكي، والسيارة الحديثة، والطائرة، ومركز البيانات، والأجهزة الطبية، والأقمار الصناعية، وأنظمة الاتصالات، وحتى تطبيقات الذكاء الاصطناعي، كلها تعتمد بدرجات مختلفة على الرقائق الإلكترونية.

لكن أهمية الرقائق لا تكمن فقط في انتشارها الواسع، بل في أن تصنيع أكثر الشرائح تقدمًا يتطلب منظومة شديدة التعقيد تجمع بين التصميم والمواد والمعدات والبرمجيات والمعرفة الهندسية.

وهنا تكمن إحدى نقاط الضعف الصينية.

فالصين تمتلك قاعدة صناعية وإلكترونية ضخمة، وتضم شركات قادرة على التصميم والتصنيع، كما حققت تقدمًا ملحوظًا في تطوير بعض القدرات المحلية. لكنها لا تزال تواجه فجوات في أجزاء من سلسلة القيمة، خصوصًا في بعض المعدات والتقنيات الأكثر تقدمًا.

ولهذا لم تعد بكين تنظر إلى صناعة الرقائق باعتبارها قطاعًا اقتصاديًا عاديًا.

إنها جزء من البنية التحتية الاستراتيجية للدولة الحديثة.


الدولة والشركات: نموذج صيني مختلف

أحد أهم عناصر الاستراتيجية الصينية هو العلاقة الوثيقة بين الدولة والقطاع الخاص.

فالحكومة تستخدم السياسات الصناعية والتمويل العام وصناديق الاستثمار ودعم البحث العلمي والجامعات لتوجيه الموارد نحو قطاعات تعتبرها ذات أهمية استراتيجية.

وفي الوقت نفسه، تتحمل الشركات جزءًا كبيرًا من عملية الابتكار والمنافسة.

شركات مثل Huawei وSMIC، إلى جانب عمالقة التكنولوجيا مثل Alibaba وTencent، استثمرت مبالغ ضخمة في البحث والتطوير، وإن كانت طبيعة أدوار هذه الشركات تختلف من قطاع إلى آخر.

هذا النموذج يعكس فلسفة أوسع في السياسة الاقتصادية الصينية: عندما يتعلق الأمر بتكنولوجيا تعتبرها الدولة أساسية، فإن السوق وحده لا يُترك ليحدد الاتجاه بالكامل.

تتدخل الدولة لتوفير التمويل والبنية التحتية والحوافز، بينما تتولى الشركات تحويل هذه الموارد إلى منتجات وتقنيات قابلة للاستخدام والمنافسة.

لكن هذا النموذج يحمل في الوقت نفسه مخاطر؛ فالدعم الحكومي الكبير يمكن أن يسرّع بناء القدرات الصناعية، لكنه قد يؤدي أيضًا إلى استثمارات مكررة أو طاقات إنتاجية زائدة إذا لم تكن القرارات الاستثمارية مرتبطة بما يكفي بالطلب الحقيقي والكفاءة التجارية.


هل تريد الصين الانفصال عن العالم؟

هذه واحدة من أكثر النقاط التي يحدث حولها سوء فهم.

من غير الدقيق القول إن الصين تريد ببساطة «الانفصال» عن الاقتصاد العالمي.

الصورة الأقرب إلى الواقع هي أن بكين تريد أن تصبح أقل عرضة للضغط الناتج عن الاعتماد الخارجي.

وهذا يعني بناء اقتصاد يستطيع الاستمرار حتى إذا تعرضت الصين لعقوبات أو قيود على بعض التقنيات أو اضطرابات في سلاسل الإمداد.

في الوقت نفسه، تحاول الصين الحفاظ على وصولها إلى الأسواق العالمية، وتوسيع صادراتها، والاستفادة من التعاون والاستثمار الدولي حيثما يخدم مصالحها.

وبالتالي، يمكن النظر إلى الاستراتيجية الصينية باعتبارها محاولة للانتقال من الاعتماد غير المشروط إلى الاعتماد المتبادل الأكثر توازنًا.

وهذا فرق جوهري.

الصين لا تريد بالضرورة أن تتوقف عن استخدام التكنولوجيا الأجنبية؛ بل تريد أن تصل إلى النقطة التي لا تستطيع فيها دولة أخرى استخدام التكنولوجيا كسلاح لإيقاف اقتصادها.


التكنولوجيا كأداة للقوة الدولية

ما يحدث في الصين لا يمكن فصله عن التحول الأكبر في طبيعة المنافسة الدولية.

خلال القرن العشرين، كانت القوة الاقتصادية ترتبط بدرجة كبيرة بالموارد الطبيعية والقدرة الصناعية ورأس المال. أما في القرن الحادي والعشرين، فقد أصبحت القدرة على تطوير التكنولوجيا المتقدمة وإنتاجها والتحكم في سلاسل إمدادها عنصرًا أساسيًا من عناصر القوة.

من يمتلك التكنولوجيا المتقدمة لا يمتلك منتجًا أفضل فقط؛ بل يمكنه التأثير في المعايير التي تعتمدها الأسواق، وفي اتجاهات الصناعة، وفي أمن سلاسل التوريد، وفي قدرة الدول الأخرى على الوصول إلى بعض التقنيات.

ولهذا أصبحت المنافسة على أشباه الموصلات والذكاء الاصطناعي والحوسبة المتقدمة والاتصالات والروبوتات والطاقة الجديدة جزءًا من المنافسة الجيوسياسية نفسها.

الصراع هنا لم يعد فقط حول من يبيع أكثر، بل حول من يمتلك المعرفة والبنية التحتية التي سيعتمد عليها العالم في المستقبل.


لكن الصين لا تزال أمامها عقبات كبيرة

رغم التقدم الذي حققته الصين، فإن بناء منظومة تكنولوجية مستقلة وقادرة على المنافسة العالمية ليس مهمة سهلة.

فالتكنولوجيا المتقدمة لا تُبنى بالأموال وحدها. إنها تحتاج إلى تراكم طويل من البحث العلمي، والجامعات القوية، والمهندسين، والخبرة الصناعية، وسلاسل توريد متخصصة، وبيئة قادرة على تحويل البحث العلمي إلى منتجات تجارية.

وتواجه الصين تحديات حقيقية في بعض هذه المجالات، خصوصًا عندما يتعلق الأمر بالتقنيات التي تتطلب سنوات طويلة من التطوير أو تعتمد على منظومات عالمية معقدة.

كما أن القيود على الوصول إلى بعض المعدات والتقنيات الأجنبية تجعل عملية اللحاق بالمستويات الأكثر تقدمًا أكثر صعوبة في بعض القطاعات.

ومن جهة أخرى، فإن ضخ استثمارات ضخمة في التكنولوجيا لا يضمن تلقائيًا تحقيق اختراقات علمية. الابتكار الحقيقي يحتاج إلى الوقت، والمنافسة، والتجربة والخطأ، والقدرة على تحمل المشاريع التي قد تفشل قبل أن تنجح.


ماذا يعني هذا بالنسبة إلى العالم؟

أهمية التحول الصيني لا تتوقف عند حدود الصين.

فعندما تحاول قوة اقتصادية بحجم الصين بناء قدرات تكنولوجية محلية في قطاعات استراتيجية، فإن ذلك يعيد تشكيل الاقتصاد العالمي نفسه.

قد نشهد سلاسل توريد أكثر تنوعًا، ومعايير تقنية متنافسة، وأسواقًا تكنولوجية تنقسم جزئيًا بين منظومات مختلفة. وقد يدفع ذلك الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي واليابان وكوريا الجنوبية ودولًا أخرى إلى زيادة استثماراتها في الأمن التكنولوجي وتقليل اعتمادها على بعض الموردين الخارجيين.

وهكذا، فإن ما بدأ كسياسة صينية لتقليل الاعتماد على الخارج يمكن أن يساهم في إعادة تشكيل الجغرافيا الاقتصادية للتكنولوجيا عالميًا.


الخلاصة: التكنولوجيا أصبحت جزءًا من مفهوم السيادة

في النهاية، لا تسعى الصين إلى تطوير التكنولوجيا المتقدمة لمجرد امتلاك هواتف أفضل أو سيارات أكثر تطورًا أو شركات أكثر ربحية.

القضية أعمق من ذلك.

من منظور بكين، أصبحت القدرة على تطوير التقنيات الأساسية وإنتاجها محليًا مرتبطة بالقدرة على حماية الاقتصاد، والحفاظ على القدرة التنافسية، وتقليل التعرض للضغوط الخارجية، وتعزيز مكانة الصين في النظام الدولي.

ولهذا يمكن فهم شعار «الاعتماد على الذات في العلوم والتكنولوجيا» باعتباره جزءًا من مشروع أكبر: الانتقال من دولة تستفيد من النظام التكنولوجي العالمي إلى دولة تريد أن تكون إحدى الدول التي تصنع هذا النظام وتضع قواعده ومعاييره.

وربما تكون هذه هي النقطة الأهم لفهم السياسة الصينية في السنوات المقبلة.

فالمنافسة بين الصين والولايات المتحدة لن تُحسم فقط في التجارة أو في حجم الناتج المحلي، بل أيضًا في المختبرات ومراكز البيانات ومصانع الرقائق والجامعات وسلاسل الإمداد.

وفي عالم تتزايد فيه قيمة التكنولوجيا، قد تصبح القدرة على إنتاج المعرفة الاستراتيجية شكلًا جديدًا من أشكال السيادة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top