كيف أصبحت الحدائق جزءًا من الحياة اليومية والصحة والتواصل الاجتماعي في الصين؟
إذا زرت مدينة صينية في السادسة صباحًا، فقد تتفاجأ بأن اليوم بدأ بالفعل.
في إحدى الحدائق، قد تجد مجموعة من كبار السن يمارسون التاي تشي بحركات بطيئة ومنتظمة، بينما تعزف مجموعة أخرى الموسيقى، وفي زاوية قريبة يتجمع أشخاص للرقص الجماعي. وعلى مقعد تحت الأشجار، قد تجد رجالًا يلعبون الشطرنج الصيني، بينما يمارس آخرون الخط الصيني بالماء على الأرصفة الحجرية، فتظهر الكلمات لبضع دقائق قبل أن تختفي مع جفافها.
وفي المساء، تعود الحدائق إلى الحياة مرة أخرى، لكن هذه المرة مع العائلات والعدائين ومجموعات الرقص والأصدقاء.
هذه المشاهد ليست مجرد مظاهر سياحية طريفة، بل جزء من الحياة اليومية في كثير من المدن الصينية.
فالحديقة العامة في الصين ليست بالضرورة مكانًا تذهب إليه فقط عندما تريد «التنزه». إنها في كثير من الحالات مساحة للرياضة، والتواصل الاجتماعي، وممارسة الهوايات، والحفاظ على بعض عناصر الثقافة التقليدية.
ومن هنا، فإن مراقبة ما يحدث داخل الحدائق يمكن أن تكشف جانبًا مهمًا من الحياة الصينية لا يظهر بسهولة في ناطحات السحاب ومراكز التسوق والمدن الحديثة.
الحديقة كامتداد للحياة اليومية
في كثير من المدن حول العالم، ترتبط الحدائق أساسًا بالراحة والمشي والاستمتاع بالطبيعة.
أما في المدن الصينية، فقد تطور استخدامها ليصبح أكثر تنوعًا. فالحديقة يمكن أن تكون في الوقت نفسه ناديًا رياضيًا مجانيًا، ومكانًا للقاء الأصدقاء، ومساحة للأنشطة الثقافية، ومتنفسًا للسكان الذين يعيشون في أحياء شديدة الكثافة.
وهذا الأمر مهم خصوصًا في المدن الكبيرة، حيث يعيش ملايين الأشخاص في بيئة حضرية مزدحمة، وتكون المساحات الخاصة محدودة نسبيًا.
في هذه الحالة، تصبح المساحة العامة جزءًا أساسيًا من جودة الحياة.
فالحديقة لا تقدم الأشجار والمقاعد فقط، وإنما توفر مكانًا يستطيع فيه الناس ممارسة نشاط جماعي دون الحاجة إلى دفع رسوم أو حجز مسبق أو الانتماء إلى نادٍ خاص.
لماذا يبدأ النشاط قبل شروق الشمس؟
من أكثر المشاهد ارتباطًا بالحدائق الصينية ذلك النشاط الذي يبدأ في الساعات الأولى من الصباح.
يخرج بعض السكان للمشي أو الجري، بينما تتجمع مجموعات لممارسة التاي تشي أو تشي غونغ (Qigong)، وتظهر مجموعات أخرى تستخدم أجهزة اللياقة البدنية العامة الموجودة في بعض الحدائق.
أما بالنسبة إلى كبار السن، فقد أصبح هذا الروتين جزءًا من نمط الحياة لدى كثير منهم.
هناك جانب صحي واضح بالطبع، فالحركة المنتظمة تساعد على الحفاظ على اللياقة والقدرة الوظيفية مع التقدم في العمر. لكن الأمر لا يتعلق بالجسم وحده.
فالشخص الذي يخرج كل صباح إلى الحديقة لا يمارس الرياضة فقط؛ إنه يلتقي بالأشخاص أنفسهم بصورة شبه يومية، يتحدث معهم، ويتابع أخبارهم، وربما يشاركهم هواية أو لعبة أو نشاطًا ثقافيًا.
وبذلك تتحول الرياضة إلى طقس اجتماعي يومي.
الحديقة ومشكلة الوحدة عند كبار السن
تكتسب هذه المساحات أهمية أكبر مع التغير الديموغرافي الذي شهدته الصين.
فارتفاع متوسط العمر وتزايد نسبة كبار السن يجعلان مسألة الحفاظ على النشاط الاجتماعي والصحي جزءًا مهمًا من التخطيط الحضري.
بالنسبة إلى المتقاعد، قد لا تكون زيارة الحديقة مجرد وسيلة لقتل الوقت. يمكن أن تكون وسيلة للحفاظ على الروتين اليومي، ومقابلة الأصدقاء، وممارسة النشاط البدني، والشعور بأنه لا يزال جزءًا من مجتمع محلي.
وهذا الجانب مهم لأن الصحة في سن متقدمة لا تتعلق بالنشاط البدني وحده. العلاقات الاجتماعية والشعور بالانتماء والمشاركة المنتظمة في الأنشطة يمكن أن تكون عناصر مهمة في جودة الحياة أيضًا.
ومن هذه الزاوية، يمكن النظر إلى الحديقة باعتبارها نوعًا من البنية التحتية الاجتماعية، وليس مجرد بنية تحتية خضراء.
عندما تتحول الساحة إلى مسرح
ربما تكون «رقصات الساحات» (广场舞 – Guangchangwu) المثال الأكثر وضوحًا على الدور الاجتماعي للفضاء العام.
في العديد من المدن، خصوصًا في ساعات المساء، تجتمع مجموعات من النساء في منتصف العمر وكبار السن في الساحات والحدائق لأداء رقصات جماعية على موسيقى مسجلة.
قد تبدو الظاهرة للزائر الأجنبي غريبة في البداية، لكنها تحمل وظيفة اجتماعية واضحة.
الرقص يوفر نشاطًا بدنيًا، لكنه في الوقت نفسه يخلق شبكة من العلاقات. أعضاء المجموعة يلتقون بصورة متكررة، يتدربون معًا، ويتحدثون ويتبادلون الأخبار، ويشعرون بأن لديهم مجتمعًا صغيرًا داخل الحي.
لكن انتشار هذه الظاهرة لم يكن بلا جدل.
فالموسيقى المرتفعة في بعض الأماكن أثارت شكاوى من السكان، خصوصًا في الأحياء السكنية القريبة. وفي بعض المدن، ظهرت محاولات لتنظيم الأماكن والأوقات التي يمكن فيها استخدام مكبرات الصوت.
وهنا تظهر إحدى القضايا المثيرة للاهتمام في الحياة الحضرية الصينية: كيف يمكن لمدينة أن توفر مساحة للنشاط الاجتماعي، من دون أن يتحول استخدام الفضاء العام إلى مصدر إزعاج للآخرين؟
عندما تصبح الحديقة متحفًا مفتوحًا للثقافة
الجانب الآخر اللافت هو أن بعض الحدائق تعمل كمساحات غير رسمية لممارسة الثقافة التقليدية.
قد تجد شخصًا يكتب أحرفًا صينية بالماء على الأرض، أو مجموعة من كبار السن تعزف الموسيقى، أو أشخاصًا يمارسون الغناء الجماعي، بينما يجلس آخرون للعب شيانغتشي (Xiangqi)، أي الشطرنج الصيني، أو وي تشي (Weiqi).
ما يميز هذه الأنشطة أنها لا تحدث بالضرورة داخل مؤسسة ثقافية رسمية.
إنها تحدث ببساطة في الحياة اليومية.
وهذا يمنحها قدرة مختلفة على الانتقال بين الأجيال. فالطفل الذي يمر مع والديه في الحديقة قد يشاهد جده يلعب الشطرنج، أو يرى شخصًا يمارس الخط، أو يسمع موسيقى تقليدية، من دون أن تكون هناك حصة مدرسية أو برنامج ثقافي رسمي.
بهذه الطريقة، تصبح الحديقة واحدة من الأماكن التي يستمر فيها التراث الثقافي من خلال الممارسة اليومية.
التخطيط الحضري صنع جزءًا من هذه الثقافة
لا يمكن تفسير انتشار هذه الظاهرة بالثقافة وحدها.
خلال العقود الماضية، استثمرت المدن الصينية بصورة كبيرة في إنشاء الحدائق والمساحات الخضراء والممرات والمرافق العامة، ضمن جهود أوسع لتحسين البيئة الحضرية وجودة الحياة.
وهذا يعني أن العلاقة بين السكان والحدائق تشكلت من تفاعل عاملين: ثقافة الاستخدام الاجتماعي للمكان، وتوافر المكان نفسه.
فعندما توفر المدينة مساحة عامة قريبة وآمنة ومجانية، يصبح استخدامها أسهل. ومع مرور الوقت، تبدأ مجموعات السكان بتطوير أنشطتها الخاصة داخلها، ثم تتحول هذه الأنشطة إلى عادة يومية.
وبالتالي، لا تكفي الرغبة في أن يكون الناس أكثر نشاطًا؛ يجب أن تكون هناك بيئة حضرية تجعل هذا النشاط ممكنًا.
وماذا عن الجيل الشاب؟
قد يبدو من السهل الاعتقاد بأن الحدائق ظاهرة مرتبطة أساسًا بكبار السن، لكن الصورة أكثر تعقيدًا.
فالشباب يستخدمون الحدائق أيضًا، وإن كانت الأنشطة مختلفة.
يمكن أن تجد العدائين وراكبي الدراجات، والأشخاص الذين يمارسون الرياضة في الهواء الطلق، والعائلات التي تقضي عطلة نهاية الأسبوع في الحدائق، إضافة إلى أشخاص يستخدمون المكان للتصوير أو صناعة المحتوى أو مجرد الابتعاد قليلًا عن الحياة الرقمية والعمل.
وهكذا لم تختفِ الحديقة مع ظهور الهواتف الذكية والمدن الحديثة؛ بل تغيرت طريقة استخدامها.
فالفضاء العام الذي كان يجمع الناس حول نشاط واحد يمكنه اليوم أن يستوعب مجموعة أكبر بكثير من الأنشطة.
لماذا تستحق الحدائق كل هذا الاهتمام؟
تكشف تجربة الحدائق الصينية عن فكرة أوسع في تصميم المدن.
عندما نتحدث عن البنية التحتية، غالبًا ما نفكر في الطرق والجسور والمطارات والقطارات. لكن هناك نوعًا آخر من البنية التحتية لا يقل أهمية عن هذه المشاريع بالنسبة إلى الحياة اليومية: الأماكن التي تسمح للناس بالالتقاء.
الحديقة الجيدة يمكن أن تشجع شخصًا على المشي بدل البقاء في المنزل، وتمنح كبار السن فرصة للقاء أصدقائهم، وتوفر للأطفال مكانًا للعب، وتسمح لمجموعة من الهواة بممارسة نشاط مشترك.
ولهذا فإن قيمة الحديقة لا يمكن قياسها بعدد الأشجار أو مساحة الأرض فقط.
قيمتها الحقيقية تظهر في ما يفعله الناس داخلها.
درس من الحياة الحضرية الصينية
ربما يكون أهم ما تكشفه الحدائق الصينية أن جودة الحياة في المدن لا تعتمد فقط على ارتفاع المباني أو سرعة القطارات أو حجم مراكز التسوق.
المدينة الناجحة تحتاج أيضًا إلى أماكن يستطيع فيها الناس أن يتوقفوا قليلًا، ويتحركوا، ويتحدثوا، ويمارسوا هواياتهم، ويبنوا علاقات خارج نطاق العمل والمنزل.
وفي هذا المعنى، تقدم الحدائق نموذجًا بسيطًا لكنه عميق: يمكن للمساحة العامة أن تكون أداة للصحة، ومكانًا للتواصل الاجتماعي، ووسيلة للحفاظ على الثقافة في الوقت نفسه.
الخلاصة: إذا أردت أن تفهم الصين، اذهب إلى الحديقة
قد تبدو الحديقة العامة مكانًا عاديًا، خصوصًا وسط المدن الصينية التي تشتهر بناطحات السحاب ومراكز التكنولوجيا والتسوق.
لكن قضاء ساعة واحدة فيها قد يكشف عن جانب مختلف تمامًا من المجتمع.
هناك سترى كبار السن وهم يحافظون على روتينهم اليومي، والشباب وهم يمارسون الرياضة، والأصدقاء وهم يلتقون، والعائلات وهي تقضي وقتًا معًا، ومظاهر من الثقافة التقليدية تستمر في الظهور داخل الحياة الحديثة.
لهذا، فإن الحدائق في الصين ليست مجرد مساحات خضراء.
إنها مساحات اجتماعية حية؛ أماكن يلتقي فيها الماضي بالحاضر، والصحة بالترفيه، والفرد بالمجتمع.
وربما لهذا السبب، إذا أردت أن تفهم كيف يعيش الصينيون فعلًا، فلا تبدأ دائمًا من الأبراج الشاهقة أو مراكز التسوق.
اذهب إلى الحديقة عند السادسة صباحًا.
